ابن الجوزي

203

زاد المسير في علم التفسير

لكم الأرض مهدا وسلك لكم فيها سبلا وأنزل من السماء ماء فأخرجنا به أزواجا من نبات شتى " 53 " كلوا وارعوا أنعامكم إن في ذلك لآيات لأولي النهي " 54 " * منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى " 55 " قوله تعالى : * ( قال فمن ربكما ) * في الكلام محذوف معناه معلوم ، وتقديره : فأتياه فأديا الرسالة . قال الزجاج : وإنما لم يقل : فأتياه ، لأن في الكلام دليلا على ذلك ، لأن قوله : " فمن ربكما " يدل على أنهما أتياه وقالا له . قوله تعالى : * ( أعطي كل شئ خلقه ) * فيه ثلاثة أقوال : أحدهما : أعطى كل شئ صورته ، فخلق كل جنس من الحيوان على غير صورة جنسه ، فصوره ابن آدم لا كصورة البهائم ، وصورة البعير لا كصورة الفرس ، روى هذا المعنى الضحاك عن ابن عباس ، وبه قال مجاهد ، وسعيد بن جبير . والثاني : أعطى كل ذكر زوجه مثله ، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس ، وبه قال السدي ، فيكون المعنى : أعطى كل حيوان ما يشاكله . والثالث : أعطى كل شئ ما يصلحه ، قاله قتادة . وفي قوله : * ( ثم هدى ) * ثلاثة أقوال : أحدها : هدى كيف يأتي الذكر الأنثى ، رواه الضحاك عن ابن عباس ، وبه قال ابن جبير . والثاني : هدى للمنكح والمطعم والمسكن ، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس . والثالث : هدى كل شئ إلى معيشته ، قاله مجاهد . وقرأ عمر بن الخطاب ، وابن عباس ، والأعمش ، وابن السميفع ، ونصير عن الكسائي : " أعطى كل شئ خلقه " بفتح اللام . فإن قيل : ما وجه الاحتجاج على فرعون من هذا ؟ فالجواب : أنه قد ثبت وجود خلق وهداية ، فلا بد من خالق وهاد . قوله تعالى : * ( قال فما بال القرون الأولى ) * اختلفوا فيما سأل عنه من حال القرون الأولى على ثلاثة أقوال : أحدها : أنه سأله عن أخبارها وأحاديثها ، ولم يكن له بذلك علم ، إذ التوراة إنما نزلت عليه بعد هلاك فرعون ، فقال : * ( علمها عند ربي ) * ، هذا مذهب مقاتل . وقال غيره : أراد : إني رسول ، وأخبار الأمم علم غيب ، فلا علم لي بالغيب .